من مصائب هذا الزمان أننا أصبحنا نسمع نقاشات بيزنطية حول تفاهات الأمور، فالنقاش حول التعديل الدستوري لم يعد بشأن المحتوى أو بين معارض ومؤيد، بل بين مؤيد ومؤيد.
الحرب اندلعت بين المؤيدين والموالين والمساندين أنفسهم، فكل واحد يدعي أنه الأولى والأسبق والأحق بالاعتراف، وحروب "الشيتة" هذه ستشتد مع مرور الوقت، وسيحاول كل طرف أن يدعي بأن براءة "الشيتة" تعود إليه.
أحد نواب الحزب العتيد تكلم عن بعض من وصفهم بالانتهازيين، الذين يدعون أنهم يساندون مسعى الرئيس، ولكنهم في واقع الحال أعداء الرئيس!
وختم صاحبنا كلامه بأن يترجى الرئيس الترشح لعهدة ثالثة، لأنه برهن على حكمه بالغة في تسيير البلد بأزماته ومعضلاته، وأنه حقق نتائج مهمة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
كيف يقول هذا "النائبة" كلام مثل هذا، في وقت أعلن فيه الرئيس ( بصراحة) أنه فشل في الخيار الذي انتهجه، أرأيتم شيئا مثل هذا؟ صاحب الشأن يقول فشلت، والطفيليات تقول أنه نجح، وأعتقد أن الرئيس ليس مطالبا بأن يفعل شيئا في عهدته الثالثة غير أن يستمتع بالحياة ويرتاح قليلا، لقد أتعبه ثقل المسؤوليات والالتزامات في عهدتيه الأولى والثانية، والرجل (مشكورا) اعترف بالفشل علانية، ثم وجد من يطالبه بعهدة ثالثة، بل ويترجاه ويبوس التراب تحت قدميه!
ولعل اللوم الوحيد الموجه لهذا النائب هو أنه ليس انتهازيا بما فيه الكفاية، لأنه من العار والعيب أن يطالب فخامته بالترشح لعهدة ثالثة، بل كان يجب أن يطالبه بالترشح للرابعة والخامسة، وأن يبقى رئيسا مدى الحياة. لا يجب أن يبقى الرئيس حبيس منطق " فليكسي"، يجب أن يكون له "خط مفتوح" حتى يحكم براحته لا يقلقه لا دستور ولا مادة مانعة.
ومن غرائب ما قرأت مؤخرا أن بعض "الشيّاتين" عاتبين لأنهم وصفوا بما فيهم، وقالوا بأنه كان من الواجب أن يناقشهم الرافضون لمبدأ تعديل الدستور. وهذا كلام مردود عليه، لأن مبدأ النقاش لا يمكن أن نسحبه على كل شيء، ومن غير المنطقي أن يناقش مع يتخندقون بدافع الانتهازية والسعي وراء المنافع والمكاسب، وأحيانا يفعلون ذلك مجانا. بل هل يمكن أن تناقش من يقول لك أن الشمس غير موجودة؟ كيف نناقش من يقولون نعم لكل شيء.. صفقوا لما عدّل زروال الدستور واستحدث مادة تمنع الرئيس لأن يترشح لأكثر من عهدتين، وصفقوا لما قرر بوتفليقة أن يتراجع عنها ويفتح باب العهدات على مصراعيه.
بل إن أكبر شاهد على ضحالة هذه النخبة السياسية والدائرين في فلك السلطة هو ما حدث في قضية مشروع قانون المحروقات، فقد صوت البرلمان على القانون، رغم كل الأصوات التي عارضته، ودافعت عن المشروع معظم الأحزاب والأقلام المأجورة و"الكلاب المدربة"، وبعد حوالي سنة عاد الرئيس بوتفليقة ليعدل القانون في بعض مواده الخطيرة فوافق البرلمان، وتصدرت الأحزاب والأقلام المأجورة والكلاب المدربة للدفاع عن المشروع الثاني المناقض للأول.
ولو كانت لي نصيحة أقدمها لرئيس الجمهورية، هو أن يعدل الدستور مرة ثانية بعد أن يحصل على العهدة الثالثة، وأن يعيد المادة 74 إلى ما كانت عليه، ويحدد عدد العهدات الرئاسية باثنتين، وأستطيع أن أجزم وأقسم بأغلظ الإيمان، أن نفس أولئك الذين اكتشفوا فجأة أن هذه المادة تتعارض مع حق الشعب في اختيار من يحكمه وأنها غير ديمقراطية، هم أنفسهم سيثنون على حكمة الرئيس في تحديد عدد العهدات الرئاسية، وفي حرصه على التداول السليم للسلطة!
هذا هو حال المدافعين والمروجين للتعديل الدستوري، ويكفي أن يكون هؤلاء عرابيه والمبشرين به لينفر منه أصحاب العقول السلمية، وليشعروا بالغثيان والدوار، فمن الأفضل أن يعلن النظام في مناقصة عن "شيّاتين" وانتهازيين جدد تتوفر فيهم صفات معينة، عله يخرج من هذا الفخ الذي صنعه لنفسه!


